محمد جواد مغنية
115
في ظلال نهج البلاغة
وقذفا نصب على المصدرية أي يقذف قذفا أو في موضع الحال أي قاذفا ، ومثله رجما وطعنا وما بعده ، وفي حومة متعلق بمحذوف حالا من كاف الخطاب في يقتنصونكم . المعنى : ( فاحذروا عباد اللَّه - إلى - النزع الشديد . ) المراد بعدو اللَّه إبليس ، وبندائه وخيله ورجله وسهمه - المغريات والشهوات ، وانه بها يصطاد ويضلل أبناء آدم عدوّه اللدود ، وروي عن إبليس أنه قال : مهما تورع ابن آدم ، واحتاط لدينه فإني موقعه ، لا محالة ، بجريمة من ثلاث : أن يأخذ المال من غير حل ، أو يمنعه من غير حق ، أو ينفقه في غير وجهه . . فالدرهم والدينار هما المحك الوحيد أخذا وعطاء ، والحد الفاصل بين الإخلاص والخيانة ، وبهما يمتحن المؤمن لا بصلاته وصيامه ، ولا بتواضعه ، أو بأية فضيلة من الفضائل . ( ورماكم من مكان بعيد وقال : * ( « رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) * - 29 الحجر » ) . الشيطان لا يعتدي على أحد ، انه يزيّن ويحسّن ، ويغري ويكذب في المواعيد ، وخيار الانسان بيده ، فإن تنازل عنه للشيطان ، وأسلم له القياد - فعل به ما يشاء ، ورماه من قريب حيث يجري منه مجرى الدم . . وقال بعض العارفين : إن الشيطان مهذب ، يقرع الباب ، ويتوارى خلفه ، فإن فتحت له دخل وإلا تركك ومضى في سبيله . ( قذفا بغيب بعيد ، ورجما بظن مصيب ) . وفي بعض النسخ « غير مصيب » بزيادة « غير » وهو خطأ بدليل قول الإمام بلا فاصل : « صدقه به أبناء الحمية » وقوله تعالى : * ( « وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه ُ ) * - 20 سبأ » أي أصاب في ظنه بهم ، ولم يخطئ ، واذن فكلمة « غير » حشو ، والمعنى ان إبليس قال : لأغوين بني آدم ، ولم يكن عند قوله هذا آدمي على وجه الأرض ، وانما قال ذلك ظنا ورجما بالغيب . . ومع هذا صدق في ظنه ، لأن الناس كلهم من حزبه إلا قليلا . ( صدقه به أبناء الحمية إلخ ) . . الهاء في صدقه لإبليس ، وفي « به » لظنه